• الشروق العامة نيل سات: HD 10992 V SR:5000
  • الشروق الإخبارية نيل سات: SD 10992 V SR:27500
  • سي بي سي بنة نيل سات: SD 10922 V SR: 27500
الخميس 13 ماي 2021 ميلادي, الموافق لـ 1 شوال 1442 هجري الخميس 13 ماي 2021 م | 1 شوال 1442 هـ

آخر الأخبار

هل الفسادُ يُفسِد؟

هل الفسادُ يُفسِد؟ ح.م

إذا تلاعب السياسيون بالانتخابات فنجحوا وصاروا في مراكز مرموقة، بل وبرزوا كشخصيات وطنية وفي مراكز صنع القرار، وإذا تلاعب كبار رجال الأعمال في صفقاتهم التجارية وانخرطوا بالرشوة والمحسوبية، وإذا اخترقت مسابقات الأساتذة بالمحسوبية، وإذا خسر الضعفاء قضاياهم العادلة في المحاكم لأن القاضي مرتش والشرطي مرتش، فبالتأكيد حينئذ أن المواطن البسيط سيشعر بوجود مبررات كثيرة وكافية للانخراط في عملية الغش بنواحيها المختلفة.

إن تسريب أسئلة امتحانات البكالوريا، أو تغشيش الطلاب أثناء المراقبة بدعوى الشفقة، أو تبادل الأجوبة بين الطلاب أنفسهم، أو مشاركة أولياء الأمور أولادهم في تيسير عملية الغش، كلها تجليات جزئية لغش أكبر من ذلك. إن الفوضى في تسيير الأمور تولد المزيد من الفوضى وتتفاقم الأمراض في المجتمع ككرة الثلج. كما أن الاندماج في عملية الفساد وقبول العرف الفاسد يجعل من الصعب تغيير هذا الفساد والتمكين لنظام محاسبة شفاف وعادل.

فإن عدنا من هذا التوصيف العام لمشكلة تسريب أسئلة امتحانات البكالوريا لسنة 2016، وهي بالتأكيد نوع من أنواع الغش، فإننا سنتساءل إذن ما الأسباب الداعية إلى الغش في الامتحانات على مستويات أدنى من الغش الممنهج على مستوى المؤسسات؟

هناك عوامل عديدة ومعقدة تساهم في انتشار ظاهرة الغش، ومن دون شك فإن ضعف الوازع الديني جزء أساسي في ذلك، ولكن البحوث الأكاديمية المختلفة قد أشارت إلى عوامل أخرى تساهم في التحفيز على الغش في الامتحانات منها:

أولا؛ قناعة الطلاب بغياب الرقابة الحقيقية والمحاسبة وتطبيق العقوبة المناسبة للغش بجميع أشكاله؛ وبالتالي ستنتشر ثقافة الغش كوسيلة للتحصيل السريع بدل التعب.

ثانيا؛ وجود جو أكاديمي تنافسي بين الطلاب والمرشحين في بيئة غير داعمة للجميع بالتساوي مما يشعر الطلاب الأقل قدرة بالخسارة في مثل هذه البيئة.

ثالثا؛ قيمة الامتحان وأهمية نتائجه في مستقبل المترشح العلمي والوظيفي مما يحفزه نحو تحصيل الدرجة المطلوبة بغض النظر عن الوسيلة المتبعة.

رابعا؛الضغط الاجتماعي والتوقعات الأسرية المرتفعة لنجاح الطلاب والقيمة الاجتماعية في عرف تلك المجتمعات للناجحين.

خامسا؛ طبيعة أسئلة الامتحان المعتمدة على إجابات محددة ويمكن تحصيلها بالحفظ، بدل التحليل والمناقشة،كالأسئلة متعددة الخيارات وأجوبة الحفظ الحرفي والأجوبة القصيرة المحددة.

سادسا؛ ضعف تدريب المراقبين حول أساليب المراقبة والتوعية بأساليب الغش وخاصة مع تطور الوسائل الإلكترونية المختلفة.

سابعا؛ قلة عدد المراقبين نسبة إلى عدد الممتحَنين يساهم في تسهيل عملية الغش.

ثامنا؛ سوء العملية التعليمية أثناء السنة الدراسية بسبب العدد الكبير في الفصل الواحد مما لا يتيح للجميع المشاركة والفهم أثناء الحصص، بل وقد يشجع على أسلوب التلقي والتلقين الذي لا يتناسب مع الأنماط التعليمية لبعض الطلبة فيدفع بهم نحو فقد الثقة في قدراتهم الفردية والتوجه نحو الغش.

وباختصار فإن الجو الأكاديمي التنافسي والتوقع الكبير بنجاح الغشاشين وإفلاتهم من العقاب مع ضعف المراقبة في الامتحانات تعتبر أسبابا أساسية في انتشار هذه المشكلة، ولكن المتأمل في الجو التعليمي بالجزائر خاصةفسيرى أن جميع تلك الأسباب متوفرة. إن المدارس تشتكي من العدد الكبير من التلاميذ في الفصل الواحد مع غياب التدريب المناسب للأساتذة، وغياب الوسائل التعليمية المختلفة من مخابر متطورة وورشات عمل مناسبة تساهم في تفاعل الطلبة بمختلف أنماطهم التعليمية. هذه الظروف التعليمية غير المريحة تدفع بالأستاذ إلى الاعتماد على أسلوب المحاضرة في التدريس مما يؤدي إلى إهمال نسبة كبيرة من الطلاب بالصف ممن لا يناسبهم هذا الأسلوب. زيادة على ذلك فإن انتشار الدروس الخصوصية وتحولها إلى حركة تعليمية موازية للمؤسسة التعليمية الرسمية يخلق جوا من عدم التكافؤ بين الطلاب في فهم المواد بحسب خلفياتهم الاقتصادية.فإن ضعفتالأحوال المادية للأساتذة وغابت الشفافية والمحاسبة فقد يلجأ بعض الأساتذة إلى التقاعس في شرح الدروس لأجل تعمد التجارة في الدروس الخصوصية خارج الحصص الرسمية بالمؤسسات التربوية، وهذا بحد ذاته يهوّن من عملية الغش في نفوس الطلاب لأن أستاذهم يغش في وظيفته لأجل مصلحته المادية. زيادة على ذلك، وفي ظل هذه الخلفية، فإن عجز بعض الطلبة عن توفير المبالغ اللازمة لدعمهم علميا من خلال الدروس الخصوصية قد يشعر بعضهم بالتهميش وعدم العدالة ويبيح لهم نفسيا المشاركة في الغش لأجل النجاح المناسب لطموحاتهم أو لإرضاء أوليائهم الحريصين على نجاحهم أو انتقاما للنظام غير العادل في فرصه. كما أن ضعف التدريب المتواصل للأساتذة في مجال التقويم بمختلف أنواعه يضعف كذلك أساليب تقويم المستوى الحقيقي للطلبة والفشل في تحديد حاجاتهم التعليمية على مستوى الأفراد أثناء السنة الدراسية مما يعني عدم الاستغلال الأمثل للحصص الدراسية والواجبات المنزلية بحسب الأهداف الفردية للطلبة.

وإن كان الغش على مستوى جزئي آفة وجب اقتلاعها فإن انتقاله من المستوى الفردي للطلاب إلى مستوى تسريب أسئلة البكالوريا بأسلوب منهجي ومتتابع وعلى نطاق واسع، مما قد يوحي بمساهمة أفراد من داخل المؤسسة التربوية في تلك العملية، يعتبر مصيبة تعليمية وتربوية بكل المقاييس. ومن هنا تنتقل الظاهرة من نطاقها الضيق إلى نطاقها الأوسع لأنها تسهم في التشجيع الممنهج للغش، وهدم قيمة الأمانة العلمية في نفوس الطلاب، وهدم الثقة في المؤسسة التربوية وإجراءاتها، وفقد الثقة في العدالة داخل النظام التربوي الرسمي، وتأكيد مفهوم إفلات الفاسدين وعدم محاسبة الغشاشين.

وبما أن امتحانات البكالوريا تؤدي بالناجحين إلى الجامعة ومن بعدها إلى الريادة في قيادة المجتمع في قطاعاته المختلفة فإن سرطان الغش سيضرب المجتمع المنتشر فيه في مقتل لأنه سينتج لنا الباحث الغشاش، والأستاذ الغشاش، والإداري الغشاش، والطبيب الغشاش، والقاضي الغشاش، والسياسي الغشاش، …الخ إنه تشجيع قوي للمضي قدما في عملية الغش نحو الدراسات العليا والمدارس المهنية المختلفة والصفقات التجارية بطرق غير أخلاقية، فمن ينجح في الوصول إلى القمة بطريق الغش في الامتحانات فسيكون من الأسهل عليه أن يغش في حياته المهنية.

إن عدم التعامل بشكل ملائم مع مثل هذه الخيانات العلمية بجميع الإجراءات الممكنة من محاسبة شفافة، وتدريبات، وتوعية، وقطع أسباب الغش ما أمكن، سيؤدي إلى ضعف عام في القطاعات المختلفة. زيادة على ذلك، فإنه سيضعف التلاقح الفكري الضروري للإبداع لأن التعليم العالي يستلزم كسب المعرفة عن طريق الانخراط الفكري العميق ولكن ثقافة الغش تنتج نخبا بشهادات جامعية عالية ولكن تنميتهم الشخصية والفكرية ضعيفة وهكذا ستخسر البلاد مواردها البشرية ومؤهلاتها العلمية.

فهل إعادة امتحان البكالوريا يعتبر حلّا؟ برأيي هو ضروري لحفظ ماء الوجه وفتح الفرص لجميع الطلبة من دون إقصاء أو تمييز، ولكن من يضمن نزاهة الدورة الثانية في غياب المحاسبة والشفافية؟ ومن يقنع الطلبة بعدم الغش ووزيرة التعليم قد رسبت بامتياز في مادة اللغة العربية ولكنها نصبت وزيرة على القطاع، رغم أن المترشح البسيط في مسابقة الأساتذة لن يسمح له بالتدريس بمثل ذلك المستوى، هذا طبعا بافتراض عدم الغش والمحسوبية في المسابقة نفسها؟ أليس ذلك غشا وغيره كثير؟

فهل من محاسب للغشاشين من أعلاهم إلى أدناهم، أم أن عقاب الغشاشين في أضعف الهرم يكفي لعدم غرق السفينة؟

1 تعليق

كل الحقول مطلوبة! يرجى منكم احترام الآداب العامة في الحوار.

  • تعليق 17950

    عبد القادر .. أدرار

    موضوع في القمة الأخت فلة …. لو يجد آذانا صاغية وآلات فاعلة وجادة في تطبيق محتواه قبل أن تعم الكارثة ….. ليت أمثالك يكونون في منصب وزيرة التربية ، ويمنحون الأداة الفعلية لتطبيق ما يؤمنون به من أفكار قيمة مثل ما جاء في هذا المقال الرائع والراقي ……. شكرا فلة لحمر